حلم مؤجل حكايات أسما السيد الفصل الاول
تظاهرت بأنني شاب للحصول على وظيفة طاهٍ داخل قصر رجل يعاني من كراهية شديدة للنساء لكن في يوم واحد انكشفت الحقيقة وحدث أسوأ ما كنت أخشاه
كان ضوء المستشفى الأبيض يلمع فوق وجه عمر بينما كنت واقفة بجوار سريره أمسك فاتورة العلاج بيدي المرتجفة.
أربع سنوات…
أربع سنوات كاملة وأخي التوأم غارق في غيبوبة لا يفتح عينيه ولا ينطق حرفًا.
أربع سنوات وأنا أشاهد الأجهزة تتنفس بدلًا منه.
وأمي تنام على كرسي بلاستيكي بارد لأنها ترفض أن تتركه وحده حتى لدقيقة…بعنا كل شيء.
التلفزيون. الثلاجة. شبكة أمي. سيارتنا القديمة. حتى دراجة عمر النارية التي كان يحبها أكثر من أي شيء.
ومع ذلك لم يكن المال يكفي أبدًا.
رفعت عيني نحو أمي الجالسة في زاوية الغرفة. كانت أضعف بكثير مما أتذكر. تجاعيد جديدة ظهرت حول عينيها. وشعرها امتلأ بالشيب خلال سنوات قليلة.
ثم نظرت إلى الورقة في يدي.
مطلوب طاهٍ مقيم داخل القصر. الراتب الأسبوعي مئتان وخمسون ألف جنيه…شعرت بقلبي يقفز بعنف.
هذا المبلغ يمكنه إبقاء عمر حيًا. يمكنه دفع العلاج. يمكنه إبقاء الأجهزة تعمل…لكن كانت هناك مشكلة واحدة فقط.
للمتقدمين الرجال فقط.
ضحكت بسخرية مريرة وقلت لنفسي: حتى الفقر عنده حس دعابة…ثم التفت نحو سرير عمر.
كان يشبهني تمامًا. نفس العيون. نفس الطول. نفس الملامح…كنا توأمًا متطابقًا.
وطوال حياتي كان الناس يخطئون بيننا. خصوصًا أنني كنت دائمًا أرتدي ملابس واسعة وشعري قصير.
وفجأة خطرت لي فكرة مجنونة.
اقتربت من سريره وهمست: سامحني يا عمر… هضطر أستعير حياتك شوية.
في صباح اليوم التالي أصبحت “عمر”.
ارتديت قميصه الأسود القديم. بنطالًا فضفاضًا. حذاءه الرياضي. وضغطت صدري تحت طبقات من القماش.
وقفت أمام المرآة طويلًا حتى بدأت أصدق الكذبة بنفسي.
ثم ذهبت إلى القصر.
كان القصر في حي التجمع الخامس بالقاهرة. ضخمًا وباردًا وكأنه لا يعرف معنى الحياة. بوابات سوداء عالية وحدائق صامتة وتماثيل رخامية مخيفة.
صاحب القصر كان اسمه سليم الحديدي. رجل أعمال وسيم ثري ومعروف بغرابة أطواره…رغم سنه الذي لم يتجاوز الخامسه والثلاثون
قالوا إنه لا يطيق وجود النساء. لا يسمح بأي امرأة داخل منزله. حتى الخادمات تم استبدالهن برجال.
عندما دخلت المطبخ للمقابلة شعرت بأن قلبي على وشك الانفجار…
كان سليم واقفًا قرب النافذة. طويلًا. حاد الملامح. يرتدي بدلة رمادية رغم أن الوقت كان ليلًا…
قال دون أن ينظر إلي: إنت الطاهي الجديد؟
أجبت بصوت حاولت جعله أعمق: أيوه يا فندم.
التفت نحوي ببطء. كانت عيناه حادتين بشكل مخيف.
سأل: اشتغلت في مطابخ قبل كده؟
هززت رأسي بسرعة. أيوه يا فندم.
ظل ينظر إلي للحظات طويلة كأنه يحاول اختراق وجهي. وفي تلك اللحظة لم أفكر إلا في عمر المستلقي بالمستشفى.ظظ
ثم قال: المرتب أسبوعي. تبدأ النهارده.
كدت أبكي من شدة الارتياح.
لكن ملامحه قست فجأة وقال: واسمع كويس… لو شفت أي ست في البيت ده أو أي حاجة تفكرني بيهم إنت مطرود فورًا..
تجمدت للحظة. ثم سألته بتوتر: أي حاجة تفكرك بيهم؟
قال ببرود: عطر. مكياج. شعر. دموع. دراما. أي حاجة.
ابتلعت ريقي وقلت: مفهوم يا فندم.
الأسبوع الأول كان جحيمًا…
سليم لا ينام تقريبًا. يغير طلباته كل ساعة. ويريد الطعام مثاليًا بشكل مرعب.
مرة يقول: الملح زيادة.
وبعد دقائق: الأكل بارد.
ثم: الصلصة سيئة.
وفي يوم كامل جعلني أعيد طبخ طبق واحد ثلاث مرات.
كنت أعود لغرفتي الصغيرة آخر الليل وأنا بالكاد أقف على قدمي.
لكن كلما فكرت بالاستسلام كنت أتذكر عمر.
وأكمل.
سليم كان مرعبًا بطريقته الخاصة. هادئ جدًا. لكن هدوءه أسوأ من الصراخ…وكان شديد الملاحظة.
في إحدى الليالي دخل المطبخ بينما كنت أنظف بعد منتصف الليل.
قال فجأة: إيدك صغيرة أوي.
شعرت ببرودة تجتاح جسدي.
خفضت رأسي بسرعة وقلت: وراثة يا فندم.
اقترب أكثر. ثم قال: بس شغلك ممتاز.
لم أعرف لماذا جعلتني الجملة أخاف أكثر.
غادر بعدها لكن يدي ظلت ترتعش طويلًا.
كنت أعيش داخل كذبة طوال الوقت. أنام وأنا خائفة. أستيقظ وأنا خائفة. حتى صوتي كنت أراقبه كل ثانية.
وفي نفس الوقت بدأت ألاحظ شيئًا غريبًا.
سليم لم يكن فقط يكره النساء. بل كان خائفًا منهن.
كلما ظهر إعلان فيه امرأة يغير القناة بعنف. إذا سمع ضحكة أنثوية بالخارج يتوتر فورًا. حتى العطور النسائية كانت تصيبه بالغضب.
وفي ليلة ممطرة بينما كنت أقدم له العشاء سمعنا صوت مغنية من التلفاز في الصالة.
فجأة رمى الكوب الزجاجي بعنف حتى تحطم على الحائط.
تجمدت مكاني.
أما هو فظل يتنفس بسرعة كأنه يختنق.
ثم قال بصوت مبحوح: اطفيه.
أطفأت التلفاز فورًا…ولأول مرة رأيت شيئًا يشبه الألم في عينيه.
بعدها بدأ يعاملني بطريقة أقل قسوة قليلًا. أو ربما كنت أتخيل ذلك.
صار يطلب مني الجلوس أحيانًا بعد العشاء. يسألني عن الأكل. عن الشارع. عن الأخبار.
لكنني كنت دائمًا حذرة…كل يوم يمر دون اكتشاف حقيقتي كان معجزة…حتى جاء ذلك اليوم.
كنت خارجة إلى الصيدلية القريبة لأن دورتي الشهرية حضرت بشكل مفاجئ.
ارتديت قبعة عمر السوداء ومشيت بسرعة أحاول ألا ألفت الانتباه.
داخل الصيدلية رأيت امرأة تبكي وهي تمسك ورقة تحليل بيد مرتجفة…شعرت بالشفقة عليها.
اقتربت وسألتها: حضرتك كويسة؟
وفجأة أمسكت قميصي بقوة وصرخت: بعد ما حملتني عايز تهرب؟تجمد الدم في عروقي.
حدقت بها بصدمة. لم أفهم شيئًا.
لكنها رفعت ورقة التحليل أمام الناس وهي تصرخ: الولد ده رفض يعترف بابني!
وفي ثوانٍ تجمع الناس حولنا.
واحد قال: عديم المسؤولية!
وآخر بدأ يصور بهاتفه.
وسيدة أخرى صاحت: حرام عليك البنت شكلها غلبانة!
شعرت بأن الأرض تدور بي.
لو اعترفت أنني فتاة ستنتهي حياتي. سليم سيطردني فورًا. وعلاج عمر سيتوقف.
ولو سكت سيظنون أنني شاب حقير تخلى عن فتاة حامل.
المرأة كانت تبكي بشكل هستيري وهي تمسك قميصي.
وفجأة سمعت صوتًا مألوفًا خلفي.
صوت سليم…قال ببرود مرعب: إيه اللي بيحصل هنا؟
التفت الجميع نحوه فورًا.
كان يقف عند باب الصيدلية ببدلته السوداء ونظرته الحادة المعتادة.
المرأة أشارت نحوي بسرعة وقالت: الراجل ده عمل عملته معايا وعايز يهرب!
نظر إلي سليم طويلًا…شعرت أن قلبي توقف.
ثم اقترب ببطء حتى أصبح أمامي مباشرة.
وقال: بصلي…رفعت عيني إليه بصعوبة.
كان يحدق بوجهي بطريقة مخيفة. كأنه يرى شيئًا لأول مرة…
ثم فجأة أمسك معصمي…وشعرت بأنفاسي تختنق.
لأنه لمس النبض أسفل يدي مباشرة. وشعر برجفة جسدي بالكامل.
ضيق عينيه وقال بصوت منخفض جدًا: إنتِ… بنت؟
ساد صمت مرعب.
الهواتف ما زالت تصور. والمرأة ما زالت تبكي. أما أنا فشعرت أن العالم انتهى.
سحبني سليم بعيدًا عن الحشد بسرعة وأدخلني سيارته السوداء دون كلمة…طوال الطريق لم يتحدث.
وأنا كنت أرتجف بالكامل.
عندما وصلنا إلى القصر نزل أولًا ثم قال ببرود: على المكتب…دخلت خلفه وأنا بالكاد أتنفس.
أغلق الباب بعنف. ثم استدار نحوي.
وقال: مين إنتِ؟لم أستطع الكذب أكثر.
نزعت القبعة ببطء. وانسدل شعري الطويل الحريري حول وجهي…فتح سليم فاه من الصدمه..همس: يالهي انت فاتنه …؟ ثم استعاد وعيه وهتف بغضب وانا اري ان الأسوأ لم يأتي بعد..
مين متحمس يكمل ….مترجم حصري حكـايـات أسمـا السيـد