زين مالك وداليدا مراد اسما السيد ×2
زين انحنى بسرعة والتقط الصورة من على الأرض، فضل يبص فيها ثواني طويلة، كانت داليدا طفلة صغيرة لابسة فستان أبيض بسيط، واقفة جنب أمها وهي مبتسمة، لكن الابتسامة دي كانت غريبة، لأن عيون الأم كانت مليانة خوف حتى وهي قدام الكاميرا، قلب الصورة بإيده وهو يقرأ الجملة مرة واتنين، ثم رفع عينه ناحية داليدا، لقاها واقفة مكانها ووشها فقد آخر نقطة لون كانت فيه، قرب منها وقال بهدوء: “إيه المقصود بالكلام ده؟” لكنها ما ردتش، بالعكس، رجعت خطوة لورا وهي بتبص للصورة كأنها شايفة شبح، ثم همست بصوت بالكاد اتسمع: “هو عرف… هو عرف إني لسه فاكرة.” زين مسك الصورة بإيده وقال: “مين اللي بعتها؟” قالت من غير ما تبصله: “أبويا… مفيش غيره يعرف الصورة دي.” سكتت لحظة ثم كملت: “دي آخر صورة اتصورت ليا مع أمي قبل ما تموت بيومين.” زين ضغط على الصورة بين صوابعه وقال: “أنا مش هسيب الموضوع يعدي.” ردت بسرعة: “إنت لسه مش فاهم، هو مش بيهدد وخلاص، هو بيفكرني إنه يقدر يوصل لأي حاجة تخصني في أي وقت.” زين بص للحارس وقال: “اقفل الفيلا كلها، محدش يدخل ولا يخرج إلا بأمري، وراجع تسجيلات الكاميرات من أول النهار.” الحارس هز راسه وخرج وهو واضح عليه التوتر، أول ما الباب اتقفل رجع زين لداليدا وقال: “احكيلي عن أمك.” داليدا قعدت على طرف السرير من تاني، حطت الصورة في حضنها وفضلت تمرر صباعها على وش الست اللي فيها، وبعد صمت طويل قالت: “اسمها ليلى… كانت أحن إنسانة في الدنيا، كانت دايمًا تقول لي إن الجمال نعمة لو حافظ الإنسان على روحه، لكن أبويا كان شايف الجمال سلعة، وكل حاجة عنده ليها تمن.” سكتت وهي بتبلع ريقها، ثم قالت: “لما كبرت شوية بدأت أفهم إن أمي كانت بتخاف منه، كانت تخبي عني كتير، لكن كنت بصحى بليل ألاقيها بتعيط، ولما أسألها تقول لي إنها تعبانة، لحد الليلة اللي سمعتها فيها وهي بتزعق لأول مرة.” زين سألها بهدوء: “قالتله إيه؟” أخدت نفس طويل وقالت: “قالتله إنها مش هتسكت على اللي بيعمله، وإنها هتسلم مستندات للنيابة، وإن الفلوس اللي بيكسبها حرام، وإن الناس اللي بيشتغل معاهم هيودوه للمشنقة، وقتها أبويا ضحك، ضحكة عمري ما نسيتها، وبعدها رزع الباب، وأنا كنت مستخبية ورا السلم.” دموعها بدأت تنزل وهي بتكمل: “سمعت صوت تكسير، وبعدها صريخ أمي، حاولت أجري ناحيتها لكن واحد من رجال أبويا مسكني، فضل كاتم بوقي وأنا شايفة أمي بتقع على الأرض.” زين قبض إيده بقوة لدرجة إن عروقها برزت، لكنه سابها تكمل من غير ما يقاطعها، قالت: “بعد شوية كل حاجة سكتت، أبويا خرج هدومه عليها دم، بصلي وقال لو حبيتي تعيشي، انسي اللي شفتيه، ومن يومها وأنا بموت كل يوم.” زين حس إنه مش قادر يسمع أكتر، لكنه كان عارف إن الحقيقة لسه في أولها، فقال: “يعني شهادة الوفاة كانت مزورة.” هزت راسها وقالت: “كل حاجة كانت مزورة، حتى الناس اللي حضرت العزا كانوا متفقين يقولوا إنها ماتت من أزمة قلبية.” سكتت لحظة وبعدين رفعت عينيها وقالت: “أنا بقيت عايشة مع واحد أعرف إنه قاتل أمي، وكل يوم كنت بخاف يبصلي بنفس البصة اللي بصهالي وقتها.” زين قرب منها وقعد قدامها على ركبته لأول مرة، وقال بصوت ثابت: “من النهارده محدش هيلمسك.” ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت: “الجملة دي سمعتها قبل كده.” رفع حاجبه وقال: “مين قالهالك؟” قالت: “كريم.” اتسعت عيون زين، فقالت: “لما قابلني في المعرض، لاحظ إني مرعوبة من مجرد ما اسم أبويا يتقال، فضل يسألني لحد ما حكيتله جزء صغير، وقتها قال لي نفس الجملة… قال لي محدش هيلمسك طول ما أنا عايش.” بلع زين ريقه وقال: “وبعدين؟” قالت: “بعدها بأسبوع كان مقتول.” الصمت رجع يملأ الأوضة من جديد، لكن المرة دي كان مليان غضب، زين قام وقف وبص من الشباك على الجنينة، كان بيحاول يربط كل الخيوط، أخوه، الفلاشة، مراد، داليدا، الرسائل، الراجل اللي كان بيتجسس، كل حاجة بقت مرتبطة ببعض، وفجأة افتكر حاجة، لف بسرعة وقال: “كريم كان سايب خزنة صغيرة في مكتبه، بعد موته فتحتها، ملقتش فيها غير ساعة إيده وجواب فاضي.” داليدا رفعت عينيها وقالت: “مش فاضي.” استغرب وقال: “إزاي؟” قالت: “كريم كان بيحب الحبر السري، كان بيستخدمه في الملاحظات المهمة.” اتسعت عيون زين وقال: “إنتي عرفتي منين؟” قالت: “هو اللي قالي، يوم ما سلمني نسخة من الملفات، كتبلي رقم على ورقة بالحبر السري وقال لو حصلي حاجة، دور على أي ورقة فاضية في مكتبي.” زين حس إن قلبه بيدق بسرعة، لأنه احتفظ بالجواب بالفعل، وما فكرش يوم إنه ممكن يكون مخبي حاجة، قال بحماس لأول مرة: “الجواب لسه عندي.” داليدا وقفت بسرعة وقالت: “يبقى لازم نشوفه دلوقتي.” زين اتحرك ناحية الباب، لكن قبل ما يفتحه، رن موبايله، كان رقم مدير أمن شركاته، رد بسرعة، لكن أول جملة سمعها جمدت الدم في عروقه، الرجل قال بصوت مرتبك: “يا باشا… حصل انفجار في المخزن الرئيسي… وفيه ناس بتقول إن الحريق بدأ بعد ما دخلت عربية نقل من غير لوحات، وفيه رسالة مكتوبة على الحيطة.” زين قال بعصبية: “إيه الرسالة؟” سكت الرجل ثواني ثم قال: “مكتوب باللون الأحمر… دي أول فاتورة يا زين مالك… والباقي لسه جاي.”
فضل زين ماسك الموبايل ثواني بعد ما المكالمة انتهت، عينيه ثابتة قدامه من غير ما يرمش، كأنه بيحاول يستوعب إن الحرب بدأت أسرع مما كان متوقع. قفل الخط بهدوء غريب، لكن الهدوء ده كان أخطر من أي صرخة، لأنه كان عارف إن مراد فؤاد عمره ما بيضرب ضربة واحدة، دايمًا بيبدأ بحاجة تشغل خصمه، وبعدها يوجه الضربة الحقيقية. داليدا كانت بتراقب ملامحه، وأول ما شافت النظرة دي عرفت إن المصيبة أكبر من مجرد حريق. قالت بصوت منخفض: “إيه اللي حصل؟” زين حط الموبايل على الكومود وقال: “واحد من مخازني اتحرق.” غمضت عينيها للحظة وهمست: “ابتدى يلعب.” زين لف ناحيتها وقال: “إنتي كنتي عارفة إنه هيعمل كده؟” هزت رأسها وقالت: “أبويا عمره ما بيهاجم الشخص نفسه في الأول، بيكسر كل حاجة حواليه، يخليه يحس إنه بيغرق واحدة واحدة، وبعدها ييجي عليه.” زين ابتسم ابتسامة باردة وقال: “يبقى غلط المرة دي.” استغربت وقالت: “ليه؟” رد وهو بيلبس ساعته: “لأنه اختار الشخص الغلط.” داليدا قامت بسرعة ومسكت دراعه قبل ما يخرج وقالت: “أرجوك… ماتروحش دلوقتي.” وقف وبص لإيدها اللي ماسكة دراعه، كانت أول مرة تلمسه بإرادتها، لكنها سحبت إيدها بسرعة لما خدت بالها، فقال بهدوء: “لازم أشوف اللي حصل.” قالت بقلق واضح: “هو مستنيك هناك.” زين رد من غير تردد: “وأنا مستنيه من سنين.” هزت رأسها بعصبية وقالت: “إنت مش فاهم مراد فؤاد.” رد وهو فاتح الباب: “ولا هو فاهم زين مالك.” وقبل ما يخرج سمع صوتها وراه وهي بتقول: “لو روحت… مش هترجع.” وقف لحظة من غير ما يلف، وبعدها قال: “لو فضلت مستخبي… هفضل أخسر.” ونزل السلم بسرعة. داليدا فضلت واقفة مكانها تسمع صوت خطواته لحد ما اختفت، وبعدها قعدت على السرير وهي حاسة إن قلبها هيقف. لأول مرة في حياتها تخاف على حد غير نفسها. حاولت تقنع نفسها إن ده مجرد خوف من إن الحقيقة تضيع لو زين مات، لكن الحقيقة كانت أبسط وأخطر، الراجل اللي دخل حياتها علشان ينتقم منها، بدأ يتحول قدامها لآخر أمل ممكن يخرجها من السجن اللي عاشت فيه عمرها كله. بعد حوالي عشرين دقيقة وصل زين للمخزن، المكان كله كان مليان عربيات مطافي وإسعاف، والدخان لسه طالع من المبنى، رجال الأمن بيجروا في كل اتجاه، وأصوات صفارات الإنذار مغطية على كل حاجة. أول ما نزل من عربيته جري عليه مدير الأمن وقال: “الحمد لله إنك جيت يا باشا.” زين بص حواليه وقال: “الخسائر؟” الرجل بلع ريقه وقال: “المخزن كله تقريبًا انتهى… بس الغريب إن اللي اتحرق جزء معين بس.” زين عقد حواجبه وقال: “جزء معين؟” أخده المدير لجوه، وبعد ما عدوا وسط آثار الحريق وقف قدام أوضة صغيرة كانت النار حوالين بابها بس، أما اللي جواها فكان سليم تقريبًا. قال المدير: “النار كأنها كانت عايزة توصل هنا وبس.” دخل زين الأوضة، كانت غرفة أرشيف قديمة، الأدراج مفتوحة، الورق مرمي على الأرض، والخزنة الحديد مخلوعة من مكانها. وقف مكانه وقال بصوت منخفض: “كان بيدور على حاجة.” المدير سأله: “حضرتك كنت مخبي حاجة هنا؟” هز رأسه بالنفي، لكنه فجأة افتكر الجواب اللي كريم سايبه. كان في مكتبه الرئيسي، مش هنا. تنفس براحة بسيطة، لكن الراحة دي اختفت لما شاف على الحيطة المقابلة كلمة مكتوبة باللون الأحمر: “الدور على اللي بعده.” قرب من الكتابة، مد صباعه ولمس اللون، كان لسه طري. يعني اللي كتبها خرج من دقائق قليلة. لف بسرعة وقال للحراس: “اقفلوا كل المخارج… محدش يطلع.” بدأوا يفتشوا المكان، لكن بعد دقائق رجعوا كلهم بنفس النتيجة، مفيش حد. وكأن اللي دخل واختفى كان شبح. في نفس الوقت، كانت داليدا لوحدها في الفيلا، بتحاول تهدي نفسها، لكن فجأة سمعت صوت جرس الباب. استغربت، لأن زين كان أمر محدش يفتح لأي حد. خرجت بحذر من الأوضة، ولقت الخادمة واقفة في الممر وقالت بخوف: “يا هانم… فيه ست كبيرة بره بتقول إنها قريبة حضرتك.” داليدا اتجمدت، لأن مفيش أي حد من قرايبها يجرؤ ييجي الفيلا دي. نزلت بحذر، ومن خلال الكاميرا الصغيرة عند الباب شافت ست في أواخر الستينات، لابسة عباية سوداء وغطا رأس، واقفة ماسكة شنطة جلد قديمة. أول ما الست رفعت وشها، داليدا شهقت من الصدمة، لأنها كانت تعرفها كويس. كانت “أم نعيمة”، الخدامة القديمة اللي كانت شغالة عندهم من وهي طفلة، واللي اختفت فجأة بعد موت أمها، وأبوها قال وقتها إنها سافرت ومحدش يعرف عنها حاجة. فتحت الباب بسرعة، وأول ما الست شافتها حضنتها وهي بتبكي وقالت: “الحمد لله إني لحقتك يا بنت ليلى.” داليدا مسكتها من كتفها وقالت بذهول: “إنتي عايشة؟” هزت الست رأسها وقالت: “كنت مستخبية… لأن لو مراد عرف إني لسه عايشة كان دفني جنب أمك.” حسّت داليدا إن رجليها مش شايلينها، دخلتها بسرعة وقفلت الباب، وبعد ما قعدوا في الصالون قالت أم نعيمة وهي بتفتح الشنطة القديمة: “أنا جيت أسلمك الأمانة اللي أمك ماتت علشانها.” وأخرجت من الشنطة صندوقًا خشبيًا صغيرًا ملفوفًا بقماش أبيض قديم، ثم نظرت إليها بعينين امتلأتا بالدموع وقالت: “الصندوق ده لو وصل لمراد… هنموت كلنا، لكن لو وصل لزين مالك… هيعرف مين قتل أخوه بجد.”
يتبع