مرات اخويا حكـايـات روماني ×2
الفصل الأخير
ظل محمود ممسكًا بالورقة.
وعيناه تتحركان فوق الكلمات ببطء.
مرة.
ثم مرتين.
ثم ثلاثًا.
وكأنه يرفض تصديق ما يقرأ.
أما سحر…
فأدارت وجهها ناحية النافذة.
لم تعد تملك طاقة للجدال.
ولا للدفاع عن نفسها.
ولا حتى للبكاء.
لقد استنفدت كل شيء.
—
قرأ محمود السطر الأخير بصوت مرتجف:
“أنا سامحت الكل… إلا اللي شاف خوفي وسكت.”
ثم سقطت الورقة من يده.
وشعرت لأول مرة أن أخي بدأ يفهم حجم الكارثة التي صنعها بنفسه.
—
خرج من الغرفة دون أن يتكلم.
جلس وحده في آخر الممر.
لساعات.
لا يرد على أحد.
ولا ينظر لأحد.
فقط يتذكر.
يتذكر كل مرة كانت سحر تمسك بيده وتطلب منه أن يسمعها.
كل مرة كانت تبكي.
كل مرة كانت تقول إنها خائفة.
وكل مرة كان يرد عليها بنفس الأنانية:
“فكري في شكلك.”
بينما هي كانت تفكر في حياتها.
—
مرت الأيام.
وبدأت سحر تتعافى تدريجيًا.
كان الألم شديدًا.
لكنها كانت قوية.
أقوى مما تخيل الجميع.
أما محمود…
فأصبح يأتي المستشفى كل يوم.
يجلس ساعات طويلة خارج الغرفة.
لكن سحر لم تكن تسمح له بالدخول.
—
وفي اليوم العاشر…
طلبت رؤيته.
دخل محمود.
وعيناه حمراوان من السهر.
جلس أمامها.
ولأول مرة منذ سنوات…
بدا صغيرًا.
مكسورًا.
وخائفًا.
—
قال بصوت مرتجف:
“أنا آسف.”
ساد الصمت.
ثم أكمل:
“أنا كنت أناني.”
“وكنت غبي.”
“وكنت فاكر إن المرض بيهدد شكلك.”
“ومفكرتش إنه بيهدد حياتك.”
ثم انفجر بالبكاء.
بكاءً لم أره منه من قبل.
—
أما سحر…
فظلت تنظر إليه بهدوء.
ثم قالت:
“أنا كنت بموت يا محمود.”
أخفض رأسه.
فأكملت:
“وأنت كنت زعلان على صدري.”
لم يجد ما يقوله.
لأن الحقيقة كانت أقسى من أي رد.
—
مرت ثوانٍ طويلة.
ثم قالت:
“عارف أصعب حاجة؟”
رفع رأسه.
فقالت:
“مش المرض.”
“ولا العملية.”
“ولا الوجع.”
“أصعب حاجة إني حسيت إني لو مت… كان هيبقى أهون عليك من إني أعيش بشكل مختلف.”
وانهار محمود أكثر.
—
بعد خروجها من المستشفى…
رفضت العودة إلى بيت الزوجية.
وعادت إلى منزل أهلها.
ليس انتقامًا.
ولا عنادًا.
بل لأنها احتاجت وقتًا لتداوي الجرح الذي سببه المرض.
والجرح الأكبر الذي سببه زوجها.
—
مرّت الشهور.
وخضعت سحر للعلاج والمتابعة.
وكانت النتائج مطمئنة.
الحمد لله.
بدأت تستعيد صحتها.
وقوتها.
وثقتها بنفسها.
شيئًا فشيئًا.
—
أما محمود…
فكان يطرق باب أهلها كل أسبوع.
أحيانًا يُسمح له برؤيتها.
وأحيانًا لا.
لكنه لم يتوقف.
ولم يمل.
لأنه عرف أخيرًا أن الحب ليس في التمسك بالشكل.
الحب الحقيقي هو أن تتمسك بالإنسان نفسه.
—
وبعد عام تقريبًا…
اجتمعت العائلتان.
وكانت سحر قد أنهت رحلة العلاج بنجاح.
وأكد الأطباء أن حالتها مستقرة.
وقف محمود أمامها.
وأمام الجميع.
ثم قال:
“أنا ما استحقش فرصة تانية.”
“بس لو في يوم سامحتيني…”
“هقضي باقي عمري أحاول أصلح اللي عملته.”
—
نظرت إليه سحر طويلًا.
ثم قالت:
“أنا سامحت.”
امتلأت عينا محمود بالدموع.
لكنها أكملت:
“سامحت عشان أرتاح أنا.”
“مش عشان أنسى.”
—
فهم محمود الرسالة.
وفهم أن بعض الجروح تلتئم.
لكن آثارها تبقى.
لتذكرنا بالدروس التي دفعنا ثمنها غاليًا.
—
وفي النهاية…
لم يكن المرض هو الذي كاد يق*تل سحر.
بل الخوف.
والوحدة.
وشعورها أن أقرب الناس إليها لم يرَ إنسانيتها وسط معركتها.
لكنها نجت.
لأنها اختارت الحياة.
واختار أهلها أن ينقذوها عندما عجز الآخرون عن فعل ذلك.
وأدرك الجميع أخيرًا أن الجسد قد يتغير…
لكن قيمة الإنسان لا تنقص أبدًا.
تمت النهاية.