اعلن زوجي حكايات أسما ×4

الفصل السابع

تجمدت يدي على الهاتف.

كان صوت الطبيب متوترًا بصورة جعلت قلبي يقفز إلى حلقي.

قلت بسرعة:

ــ خير يا دكتور؟ سامح كويس؟

تنهد الرجل من الطرف الآخر.

ثم قال:

ــ العملية لسه شغالة… لكن فيه اكتشاف حصل أثناء الفحوصات السابقة للعملية.

شعرت بأن الأرض تميد تحت قدمي.

ــ اتكلم.

سكت لحظة.

ثم قال:

ــ الأستاذ سامح كان محتفظ بملف طبي قديم جدًا… وإحنا أثناء مراجعة الأوراق اكتشفنا حاجة غريبة.

ــ إيه؟

ــ التحاليل اللي اعتمد عليها زمان كانت خاطئة.

لم أفهم.

أغمضت عيني.

ثم قلت:

ــ مش فاهمه.

أجاب:

ــ التقرير اللي خلاه يصدق إنه والد هبة… غير صحيح.

شعرت وكأن أحدهم سكب ماءً مثلجًا فوق رأسي.

ــ يعني إيه؟

ــ يعني ما فيش دليل طبي حقيقي يثبت إنه والدها.

استندت إلى الحائط.

غير قادرة على الكلام.

قبل ساعات فقط كنت أتعامل مع حقيقة صادمة.

والآن هذه الحقيقة نفسها تتشقق.

قال الطبيب:

ــ إحنا محتاجين تحليل حديث لو الأسرة حابة تعرف الحقيقة كاملة.

أغلقت الهاتف بعد دقائق.

وبقيت واقفة في الشارع.

السيارات تمر.

الناس تتحرك.

أما أنا فكنت أشعر أن حياتي كلها تحولت إلى لغز كبير.

وصلت إلى الإسكندرية بعد ثلاث ساعات.

وكانت العملية قد انتهت.

سامح كان في العناية المركزة.

أما الطبيب فجلس معي في مكتبه.

ووضع ملفًا جديدًا أمامي.

وقال:

ــ قبل أي حاجة… الأستاذ سامح خرج من العملية بخير.

تنفست لأول مرة منذ ساعات.

ثم أكمل:

ــ لكن فيه موضوع تاني.

أخرج ظرفًا صغيرًا.

وقال:

ــ سلمني الظرف ده قبل العملية.

وقال لو حصل أي ظرف أسلمه ليكي.

فتحت الظرف ببطء.

وكانت بداخله رسالة.

بخط سامح.

بدأت أقرأ.

“منى…

إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة فمعنى ذلك أنني أخيرًا امتلكت الشجاعة لأترك الماضي يتكلم.

أنا لا أعرف إذا كنت والد هبة أم لا.

ولا يهمني الآن.

لأن الأبوة ليست تحليل دم.

الأبوة هي من يسهر.

ومن يربي.

ومن يبقى.

وحتى لو كنت والدها البيولوجي…

فإن الرجل الذي رباها هو والدها الحقيقي.”

توقفت دموعي على الورقة.

وأكملت القراءة.

“لكن هناك سرًا آخر لم أخبرك به.

سر احتفظت به لأنني ظننت أن الوقت انتهى.

لكن يبدو أن الوقت لم ينتهِ بعد.”

ارتجفت يدي.

ونظرت إلى السطر التالي.

“بعد اختفائي بسنوات…

أنجبت ابنة.”

توقفت أنفاسي.

وأكملت القراءة بذهول.

“ابنة لم أكن أعرف بوجودها إلا منذ خمس سنوات فقط.”

شعرت بقلبي يخفق بقوة.

ثم قرأت الاسم.

“اسمها مريم.”

رفعت رأسي نحو الطبيب.

غير مصدقة.

لكن الطبيب أومأ بهدوء.

وقال:

ــ موجودة.

ــ وبتزوره هنا باستمرار.

بعد نصف ساعة…

دخلت فتاة في منتصف الثلاثينات إلى غرفة الانتظار.

كانت تحمل حقيبة صغيرة.

وعندما رفعت رأسها نحوي…

شعرت بشيء غريب جدًا.

كانت تشبه سامح بشكل مذهل.

نفس العينين.

نفس الابتسامة.

توقفت مكانها.

ونظرت إلي.

ثم قالت:

ــ حضرتك منى؟

أومأت برأسي.

اقتربت.

وجلست أمامي.

ثم قالت بابتسامة متوترة:

ــ بابا كان بيتكلم عنك طول الوقت.

كلمة “بابا” خرجت منها طبيعية جدًا.

كأنها عاشت عمرها كله معه.

أما أنا فكنت أحاول استيعاب كل ما يحدث.

ثم قالت مريم:

ــ فيه حاجة لازم تعرفيها.

نظرت إليها.

فأخرجت ملفًا من حقيبتها.

وفتحته.

وقالت:

ــ أنا محامية.

ومن سنتين كنت بمراجعة بعض أوراق والدي.

ولقيت مستندات تخص شخصًا واحدًا بشكل متكرر.

عادل.

شعرت بقلبي ينقبض.

ليس مجددًا.

ليس بعد كل هذا.

لكن مريم أكملت.

ــ الموضوع أكبر من الرسائل.

وأكبر من علاقتكم.

ثم دفعت الملف نحوي.

فتحت الصفحة الأولى.

وكانت صدمة جديدة.

شركات.

عقارات.

تحويلات مالية.

أسماء مستعارة.

وعشرات المستندات.

وفي كل صفحة تقريبًا…

كان اسم عادل يتكرر.

لكن هذه المرة لم تكن أسرارًا عاطفية.

كانت أسرارًا مالية.

ضخمة.

خطيرة.

وربما غير قانونية.

رفعت رأسي ببطء.

ونظرت إلى مريم.

فقالت:

ــ بابا كان بيجمع الأدلة دي من سنين.

ــ وكان ناوي يسلمها للجهات المختصة.

بلعت ريقي.

ــ وليه ما عملش كده؟

نظرت نحو غرفة العناية المركزة.

ثم قالت بصوت منخفض:

ــ لأنه كان خايف عليكِ.

سقط الصمت بيننا.

صمت ثقيل.

ثم أضافت:

ــ لكن دلوقتي… القرار قرارك.

نظرت إلى الملف.

ثم إلى باب العناية المركزة.

ثم إلى حياتي كلها.

وأدركت أن ما ظننته نهاية القصة…

لم يكن سوى بداية مواجهة أخيرة.

مواجهة قد تسقط عادل نهائيًا.

أو تدمر ما تبقى من عائلتنا.

وفي تلك اللحظة تحديدًا…

فتح باب العناية.

وخرج الطبيب مسرعًا.

كانت ملامحه متغيرة.

وقبل أن ينطق بكلمة…

عرفت أن شيئًا كبيرًا جدًا قد حدث.

الفصل الثامن

قفزت من مكاني فور خروج الطبيب.

أنا ومريم تقدمنا نحوه في نفس اللحظة.

كان وجهه متوترًا بصورة أخافتني.

قلت بسرعة:

ــ خير يا دكتور؟

نظر إلينا للحظات.

ثم قال:

ــ الأستاذ سامح فاق.

أطلقت أنفاسي دفعة واحدة.

أما مريم فأجهشت بالبكاء من شدة الارتياح.

لكن الطبيب لم يبتسم.

وهنا عاد القلق إلى قلبي.

قال بهدوء:

ــ فيه حاجة تانية.

نظرت إليه بترقب.

فأكمل:

ــ أول حاجة طلبها بعد ما فاق إنه يشوف الأستاذة منى.

تبادلت النظرات مع مريم.

ثم تبعت الطبيب إلى الغرفة.

دخلت ببطء.

كان سامح شاحبًا.

أضعف مما رأيته قبل العملية.

لكن عينيه كانتا مفتوحتين.

وعندما رآني…

ابتسم.

ابتسامة صغيرة متعبة.

اقتربت من السرير.

وجلست بجواره.

فقال بصوت خافت:

ــ شكلك لسه بتعيطي زي زمان.

ضحكت وسط دموعي.

لأول مرة منذ سنوات طويلة.

ثم أمسك يدي.

وقال:

ــ الملف.

عرفت فورًا أي ملف يقصد.

ملف عادل.

هززت رأسي.

ــ شفته.

أغمض عينيه للحظة.

ثم قال:

ــ لازم تعرفي الحقيقة كلها.

وفي الساعات التالية…

بدأت الصورة الكاملة تظهر أخيرًا.

قبل أكثر من عشرين سنة.

كان عادل يعمل شريكًا غير معلن في مجموعة استثمارية كبيرة.

في البداية كانت أعمالًا قانونية.

ثم بدأت الأمور تتغير.

تحويلات مالية غامضة.

شركات بأسماء وهمية.

عقارات تُسجل بأسماء أشخاص آخرين.

وأموال تتحرك بين حسابات متعددة.

سامح لم يكن جزءًا من ذلك.

لكنه اكتشفه بالصدفة أثناء عمله مع أحد المكاتب القانونية.

وحينها بدأ يجمع الأدلة.

ليس بدافع الانتقام.

بل لأنه خاف أن تتورط أسماء أبرياء.

ومن بينهم أنا.

ومن بينهم أولادي.

قال سامح بصوت متعب:

ــ كان لازم أعرف إذا كان بيستخدم اسمك أو حساباتك في أي حاجة.

ارتجفت يدي.

ــ واستخدمها؟

هز رأسه ببطء.

ــ لا.

تنفست الصعداء.

لكن الراحة لم تدم.

لأنه أكمل:

ــ لكنه استخدم أسماء ناس تانيين.

بعضهم ما كانش يعرف أصلًا.

شعرت بالبرودة تسري في أطرافي.

ثم نظر إلي مباشرة.

وقال:

ــ فيه تحقيق مفتوح من فترة.

والملف ده ممكن يقلب كل حاجة.

ساد الصمت.

ثم دخلت مريم.

وكانت تحمل هاتفها.

وجهها شاحب.

قالت:

ــ لازم تشوفوا ده.

فتحت شاشة الهاتف.

وكانت هناك أخبار عاجلة.

عناوين كثيرة.

كلها تتحدث عن مداهمات وتحقيقات مالية.

وشركات استثمارية تخضع للمراجعة.

وأسماء رجال أعمال بدأت تظهر للعلن.

ومن بينها…

اسم عادل.

شعرت بأن قلبي يسقط في الفراغ.

ليس لأنني كنت أدافع عنه.

ولا لأنني أحببته بعد كل ما حدث.

بل لأنه والد أولادي.

ورغم كل شيء…

هناك جزء من القلب يصعب عليه مشاهدة إنسان ينهار بالكامل.

في تلك الليلة عدت إلى القاهرة.

وأنا أحمل الملف معي.

جلست في غرفتي حتى الفجر.

أقرأ.

وأقرأ.

وأقرأ.

وعند شروق الشمس تقريبًا…

أغلقت آخر صفحة.

ثم اتخذت قراري.

اتصلت بأحمد.

ثم بهبة.

وطلبت منهما الحضور.

بعد ساعة كانا يجلسان أمامي.

نظرت إليهما طويلًا.

ثم قلت:

ــ فيه حاجة لازم تعرفوها.

استمر الحديث ساعات.

لم أخفِ شيئًا.

لا عن سامح.

ولا عن الرسائل.

ولا عن التحقيقات.

ولا عن الملف.

وعندما انتهيت…

ساد صمت طويل.

ثم تكلم أحمد.

وكان صوته أكثر هدوءًا مما توقعت.

قال:

ــ ماما…

ــ أيوة؟

ــ إحنا مش مسؤولين عن أخطاء بابا.

نظرت إليه.

فأكمل:

ــ لكنه مسؤول عنها.

ثم أمسك يد أخته.

وقال:

ــ والحقيقة لازم تطلع.

كانت تلك هي اللحظة التي حسمت كل شيء.

في اليوم التالي…

تم تسليم نسخة كاملة من الملف للجهات المختصة.

وبدأت الأحداث تتحرك بسرعة لم يتوقعها أحد.

استدعاءات.

تحقيقات.

مراجعات مالية.

وشهادات جديدة.

أما عادل…

فاختفى.

أيامًا كاملة.

لا أحد يعرف أين ذهب.

ولا أحد استطاع الوصول إليه.

حتى جاء مساء يوم ممطر بعد أسبوع.

كنت جالسة وحدي في البيت.

أشرب الشاي.

وأحاول استيعاب كل ما حدث.

وفجأة…

رن جرس الباب.

فتحت.

وتجمدت في مكاني.

لأن الشخص الواقف أمام الباب لم يكن عادل.

ولم يكن سامح.

بل امرأة غريبة تمامًا.

في أواخر الستينات من عمرها.

كانت تحمل حقيبة قديمة.

وصندوقًا خشبيًا صغيرًا.

وعندما نظرت في عيني قالت:

ــ أخيرًا لقيتك يا منى.

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

ثم أضافت:

ــ أنا جاية أحكيلك السر اللي بدأ كل المصايب دي من أربعين سنة.

وفي تلك اللحظة…

عرفت أن هناك فصلًا أخيرًا من الحقيقة لم يُكشف بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *